ضربة موجعة لحرية الصحافة


بالأمس حوكم الزميل رشيد نيني مدير نشر جريدة « المساء »، بسنة حبسا نافذة وألف درهم غرامة مالية، و معلوم أن هيئة دفاع رشيد نيني قد انسحبت الأسبوع الماضي بسبب عدم محاكمته بقانون الصحافة، كما هو مشهود أن رشيد توبع في حالة اعتقال بالقانون الجنائي بتهمة « تحقير مقرر قضائي ومحاولة التأثير على القضاء، والتبليغ بوقائع إجرامية غير صحيحة« .

و بيوم صدور الحكم يكون رشيد نيني قد قضى 43 يوما وراء القضبان.

 ما أثارني في هذا الحكم ، بغض النظر عن موقفي من الزميل رشيد نيني ، و الذي أختلف  معه حول الكثير من الأمور، و العديد من المواضيع التي أثارها  هو متابعته وفقا للقانون الجنائي، فرشيد صحافي عمل بالميدان منذ ردح زماني،       و لهذا الميدان قانونه الخاص، فلم استثناء صحافي من طينة رشيد  ، من المحاكمة تبعا لمقتضيات الصحافة.

ما أثارني أيضا هو تكريس هذا الحكم لقاعدة « حبس الصحافي »، و التي ناضلت من اجل عدم تبنيها أجيال و ما زالت تناضل، إذ يصعب بكل المقاييس التسليم بحبس حملة الأقلام، لمجرد التعبير عن الرأي، حرية الصحافة أوكسجين حياتي ضروري لكل أمة تتطلع لتحقيق النماء على كافة الأصعدة.

اختصارا ، أعتقد أن الحكم بالحبس على هذا الصحافي يشكل انتكاسة كبرى لحرية الصحافة بمملكتنا الغالية، و هو ضربة أكيد موجعة سترجع بنا القهقرى، في ظرف نتمنى فيه جميعا تعزيز مسارنا الديمقراطي الذي ما فتئ جلالة الملك نصره الله يرص لبناته الواحدة بعد الأخرى ، فرجاءا لننخرط إيجابا في اللحاق بالمنتظم الاممي الديمقراطي، و لننبذ الحنين إلى زمان قررنا كلنا طي صفحته

حتى نرقى بتعاطي إعلامنا العربي لما يشغلنا


بعد أن هدأت العاصفة قليلا،في أعقاب اللقاءين الشهيرين الذين جمعا منتخبي القطرين العربيين الشقيقين، الجزائر و مصر،في 14 و 18 نونبر من العام 2009، برسم آخر جولات التصفيات المؤهلة لمونديال جنوب إفريقيا و كأس أمم إفريقيا بانغولا، و بعد أن عزفت عن الدلو برأيي فيما حدث، و التعليق على مختلف الملابسات التي سبقت و زامنت و جاءت بعد إجراء لقاءي القاهرة و أم درمان، أجدني مدفوعا إلى الحديث  عن هذا اللقاء ليس بدافع در مزيد من الملح على جراح  الأشقاء، و إنما بقصد إثارة موضوع يشغلني بحكم الاختصاص،أعني تعاطي الإعلام مع الأحداث.

لقد حز في نفسي أن يصل إعلامنا العربي إلى الحضيض، من خلال ما قامت به المنابر الإعلامية في مصر أو الجزائر على حد سواء، و إن كنت أنحي باللائمة بدرجة أولى على الإعلام المصري، ذلك أنه كان البادئ بإشعال « نار الفتنة »، من خلال التضخيم في حجم مباراة كرة قدم، التي و على الرغم من رهاناتها تبقى لعبة رياضية يمكن أن تخرج منها كاسبا أو خاسرا، ألوم الإعلام المصري أيضا بحكم أن له « ريادة « بالعالم العربي، بحكم التاريخ، و بحكم أن هذا القطاع أنجب في الماضي أسماء نقدرها كمحترفين لمهنة البحث عن المتاعب، و أذهب إلى حد انتقاد هذا الإعلام الذي نضا عنه ثوب التوجيه و التأطير، و توشح بلبوس التحريض و التهييج، بعيدا عن المصداقية و الموضوعية التي هي رأسمال كل إعلامي نزيه و شريف ، فقد مكنتني المناسبة، من تتبع الكثير من الإعلاميين و كيفية تعاطيهم مع أحداث المباراتين، حيث عمدوا إلى البهرجة ، و إبداء تعصب ضيق و شوفيني، بل   و التشجيع على سلكه، و من هؤلاء الإعلاميين من  جعل من « اللسان السوقي » وسيلة تواصله حيث نزع عنه كل « الألجمة »  و خاض به فيما لا يستحق الخوض.

أتحدث عن الإعلام المصري منتقدا كما أسلفت، لأن تعاطيه مع مثل هذه المباريات ليس غريبا، فكثيرا ما سبقت مبارياتنا مع المنتخب المصري الشقيق، تهييجات إعلامية كبيرة، أذكر انه بخصوص تصفيات  مونديال 1998 ، و في مباراة فاصلة  بيننا و بين المصريين، و كان أن قدر لها أن تجري شهر أكتوبر، لم ترعو بعض الصحف  عن وصف اللقاء و تشبيهه بحرب أكتوبر،غير أن نتيجة المباراة أنصفتنا ووضعتنا في خانة عقدة مصر الدائمة  . أضيف لأخلص بأن ما قام به الإعلام الجزائري، لا يتعدى كونه ردة فعل صحيح أنها كانت قاسية، و ما كان لها أن تتم بذلك الشكل.

ختما، لنراجع أوراقنا جميعا أيها العرب و لتقتدوا بالآخرين فهم ليسوا دائما جحيما، فلنتوقف عن السباحة ضد التيار.

شرطة الصحافة


تنتشر بالمدينة حيث أقيم وربما بشكل أكبر من باقي مدن المملكة ظاهرة غريبة تتمثل في « إقراض الصحف لمرتادي المقاهي » و »نسخ شبكات الكلمات المتقاطعة و المسهمة و السودوكو » ، و باعتقادي أن هذه الظاهرة و إن كانت تحمل في طياتها بعض السمات الإيجابية كتشجيع القراءة في وطن لم ينجح بعد في القضاء النهائي على « آفة الأمية » ، و في بلد ما زالت فيه القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين  تعاني من اختلالات جمة تحول دون أن تكون في المستوى المطلوب ، قلت إن كانت تحمل بعض السمات الإيجابية فإنها تحمل أيضا الكثير من السلبيات ، ذلك أنها تقف بالملموس في وجه تقوية صحفنا، و تؤثر سلبا على المداخيل المالية لهذه المؤسسات التي تعاني أصلا من شح كبير، و أرى شخصيا في الظاهرة اختلاسا لجهد و عرق ممتهني الصحافة ، الذين يبقون الضحية الأولى لهذه الظاهرة ، و من ثمة وجب التفكير الجاد و الجدي لاتخاذ قرارات فاعلة للحد من مثل هذه الممارسات السلبية، و إنصاف أصحاب القلم بصون حقوقهم و عدم  تعريض منتوجهم « للاتجار الرخيص » ، خاصة و أنا نعلم أن سعر الصحيفة حتى اليوم لا يغطي كلفة  إنتاجها الحقيقية ، علينا أن نبادر إلى دعم هذه المؤسسات الصحفية باقتناء منتوجاتها من الأكشاك حتى نسهم في تطويرها بتمكينها من موارد مالية مستحقة لها، و ألا نكتفي بتوجيه انتقاداتنا المجانية لها و الإغراق في مقارنة عطاءاتها بعطاءات صحف عربية و دولية حيث لا تستقيم مقارنات.

و  أعتقد أنه على شركات التوزيع المبادرة إلى أجرأة بعض القرارات ، و عدم الاكتفاء بتوزيع الصحف فقط و إنما أيضا إحداث فرق للمراقبة لنسميها « شرطة الصحافة  » من أجل تتبع أمثل لتداول هذه المنتوجات الورقية فحسبها منافسة الراديو ، التلفزيون و الانترنت . »

مشهدنا الاعلامي المتردي


لم يعد بمقدور أغلب متتبعي الاعلام الوطني في شقيه المكتوب و السمعي – بصري، إلا أن يشفقوا عن حال مجموعة كبيرة من صحافيي اليوم، ذلك أن بعض حملة الأقلام حولوا صفحات بعض الجرائد إلى « حمامات شعبية نسائية تقليدية »، حيث النميمة المجانية، فهذا فلان يستغل حيزا هاما من صحيفة وطنية يومية ليصفي حساباته و الشخصية غالبا مع علان، و ذلك بنعته بأقدح الأوصاف التي أستحيي من ذكرها، و هذه صحيفة ارتكزت على  مقولة شعبية تجارية بها الكثير من التغليط:  » الجمهور عاوز كده »، لتمطرنا بوابل من ترهات الحوادث المختلقة و المفبركة في كثير من الأحايين، و البعيدة عن مقاصد « صحافة الحوادث  » المهنية، و التي كانت تجعل من

les trois S : Sang, Sous, Sex أثافيها الثلاث.

و هذه قناة تلفزية وجدت في الاستنساخ الممسوخ لبرنامج « ستار اكاديمي  » ، و التكرار الممجوج لبرامج طبخ « شوميسة »ضالتها، و هذه شقيقتها الكبرى قطعت على نفسها أن تكسر الرقم القياسي ل »نومة أهل الكهف »،لتدخل كتاب « غينيس » للأرقام القياسية،  ناهيك عن الكثير من المحطات الإذاعية الخاصة التي جعلت من ترويج الموسيقى الهابطة و اللسان « السوقي الدارج » غايتها النبيلة، منطقها في ذلك نهج سياسة القرب.

أجزم ان صحافتنا اخلفت موعد مواكبة العهد الجديد الذي نحياه، و أنها في ضوء وجود امكانيات ما كانت متوفرة للسلف عمقت جراح مهنة المتاعب و أثخنتها بالابتعاد عن غاياتها النبيلة المتمحورة حول : الإخبار، التثقيف، و الترفيه، و نسيت أنها موجه و مؤطر لشريحة واسعة من المواطنين، خصوصا أجيال المستقبل، ألم يوصف الصحافي في يوم من الايام أنه :  » مدرس( بكسر الراء) في مدرسة بدون أسوار »

:

الملحق الصحفي وسيط للوصول للخبر أو مجرد لسان ناطق؟


تميز مسار الاعلام ببلادنا، خصوصا،أواسط العقد الثمانيني و بداية العقد التسعيني من القرن الماضي ببروز شعبة فرضها واقع الحال من جهة ، و ضرورة تيسير الوصول الى مصادر الخبر، من جهة أخرى

هي شعبة الاعلام المؤسساتي، أو شعبة الاتصال.و لم تكن ولادة هذه الشعبة بالهينة،ذلك أنها جاءت بعد العديد من المشاورات و النقاشات، و فتحت الباب لجدل استمر طويلا، سواء عند المهنيين، أو الادارات و المقاولات، حول ماهيتها ، ضرورة احداثها، و لمن أهلية القيام بها، و الاشراف عليها، و بعد الاحداث و النشأة و تكليف اعلاميين تحت مسمى ملحقين صحفيين ،بأمر الخوض في هذا الشق بالعديد من الادارات، الوزارات، و المؤسسات العمومية و شبه العمومية، طفت على السطح مشاكل من نوع آخر تمحورت حول تحديد انتماء المكلفين بهذه المهمة هل هو للجسم الصحفي المتعارف عليه، أو للجسم الاداري الذي يعمل به الملحق الصحفي، و سارع الكثير من الصحفيين الى الوقوف في وجه اعتبار الملحق صحفيا مهنيا، بداعي أنه غالبا ما يؤدي وظائف ادارية بالجهة التي يشتغل بها أكثر من تأديته لواجبه الصحفي، اضافة الى أنه يتلقى أجره من الجهة الموظفة له و بالتالي فتبعيته المطلقة حتما تبقى لادارته،و في الجهة المقابلة ،و أقصد الادارات المشغلة للملاحقة الصحفيين،تم تسجيل بعض الريبة في تقبل هذا الوافد الجديد، و الذي غالبا ما يجد نفسه مضطرا الى بذل كثير من الجهد من أجل التأقلم

و كسب الثقة ثم فرض ذاته كابن لتلك الادارة، اذ غالبا ما ينظر اليه كونه ذاك الصحفي المشاغب، أو الجاسوس،و الذي يجب الاحتراس منه.و بين هذا الموقف وذاك يجد هذا المهني نفسه تائها ، راكضا وراء التوفيق بين هويته الصحفية و الادارية،بين اثبات كونه الوسيط الحر ذي المصدلقيةالكفيل بتسهيل عملية الوصول الى الخبر، ونفي ما يلصق به من طرف أبناء حرفته و الذي يعتبره مجرد لسان ناطق باسم الجهة المشغلة له فقط .أخيرا ، و في ضوء المستجدات ،التي أنصفت بعض الشيء الملحق الصحفي من خلال اعتراف العديد من الكيانات الادارية بأهمية نهج سياسة القرب و الانفتاح على المحيط الخارجي، لا يمكن الا أن نتفاءل بمسيرة هذا الرجل الذي لن أتوانى عن وصفه برجل الظل الساعي الى استعادة مكانته تحت بريق الأضواء، و تأكيد أهليته لحمل الهوية المزدوجة دون التباس و لا مزايدات، و لعل ذلك ليس بغريب، على ممارسي هذا الصنف من الاعلام. و أعتقد جازما أنه سنصل يوما الى نفس موقف الغرب اليوم من هذه الشريحة من المهنيين الاعلاميين.