ارحمونا


سأعود من خلال هذه الورقة للحديث عن أولئك الذين يسمحون لأنفسهم بإذايتنا بشكل أكبر على المستوى النفسي، و النيل من إنسيتنا دون ارعواء  أو رفة جفن، و كل ذلك باسم الدين، حديثي يخص بعض علمائنا و فقهائنا ، و يخص رأسا تلك الفتاوى الضاربة في الغرابة.

و بعد أن كنت قد تحدثت في هذه المدونة عن فتوى كانت قد صدرت قبل نحو سنتين عن مفت عربي تهم  » إرضاع الكبير » أجدني اليوم مضطرا بكل أسف للحديث عن فتوى صدرت قبل أيام عن مفت مغربي مفادها جواز ممارسة الزوج للجنس على جثة حرمه .

يا الله، كيف سمحت نفس هذا الشيخ بإباحة هذا الأمر، أما زالت بذاكرته بعض من توصيات، توجيهات  و نفحات سيد الخلق و المرسلين محمد صلى الله عليه و سلم، و التي ركزت كلها على المعاملة الحسنة و الطيبة و الرقيقة خصوصا تجاه النساء و الأطفال، كيف سمحت له نفسه بإباحة أمر لن اكذب إن أقررت أن حتى الحيوانات تعافه.

و أردف لأقول له كيف سيجد مكلوم في فقد شريك حياته في تلك اللحظات الأليمة فرصة للتفكير في اقتراف هذا الجرم ، نعم الجرم ، لأن مثله لن يصدر إلا عن منزوع قلب و رحمة بالتأكيد.

رجائي أخيرا من كل مجالس العلماء بالعالم العربي المبادرة إلى اتخاذ خطوة حازمة تجاه هذا السيل من الفتاوى الذي بات يمطلرقنا ، و إيجاد سبيل يرحمنا من سماع هذه الحماقات ، التي تتناهى إلينا أيضا مع التفريخ الكبير لقنوات يقال انها دينية و ما أراها كذاك، رجاء ارحمونا فلدينا فلذات كبد نسعى لتوجيههم توجيها قويما  يؤلف بين الدين و الدنيا في تناغم و تجانس تامين.

من شيمي ألا أخاطب كل ذي رأي مخالف بهذه الطريقة، لكن اعذروني فقد عيل صبري من رواج مثل هذه التفاهات.

سياحة و ركود


من المتوقع أن يشهد القطاع السياحي خلال هذه السنة تراجعا  من حيث مداخيله و عائداته، جراء الانعكاسات الجانبية للأزمة الاقتصادية التي مست كبريات دول العالم.، و أمام هذا الوضع يتساءل  جل المغاربة حول الإجراءات و التدابير المتخذة من طرف القائمين على شأن القطاع السياحي بوطننا الحبيب لتصريف هذه الأزمة، و ما الاستراتيجيات المعتمدة لمواجهة تنافسية دول مثل تونس اسبانيا و تركيا… ذلك أننا بلد يعول على هذا القطاع بشكل كبير.

قد يقول قائل إن المكتب الوطني المغربي للسياحة ، و هي على أي جهة من الجهات المعنية ، قد بادر إلى طرح بعض الحلول و المخارج لتجاوز الوضع الصعب، و ذلك من خلال محاولة    كسب أسواق أخرى ، غير الأسواق التقليدية ، تحديدا أسواق القوى الصاعدة : الصين ، الهند ، …، و كذا   إعادة طرح عملية  « كنوز بلادي » التي تتوخى  و تنشد تشجيع السياحة الداخلية.

نعم الأكيد أن هاتين العمليتين هما محاولتان تحملان بعض البوادر الإيجابية ، غير أنهما تبقيان غير كافيتين  لكسب الرهان المسطر ، أقصد 10 مليون سائح في أفق سنة 2010 ، تبقيان دون الطموح، و سأركز على صيغة العملية التي يروجها المكتب من أجل تشجيع السياحة الداخلية ، لأؤكد أن هاته العملية تبقى دون متناول شرائح عريضة من فئات المجتمع المغربي،  و لن تعني غير فئة محدودة جدا ،و من هذا المنطلق، نأمل أن تتم مراجعة صيغة العملية ، و أن تراعى حقيقة قدرة المواطن المغربي، بمزيد من تخفيض الأسعار المحددة، خاصة و أننا على أبواب موسم صيفي قادم. آمل أن يعاد النظر في العملية  لأن من شأن ذلك ضخ بعض الحيوية في أوصال قطاع ، من المسلم به أنه يعيش ركودا غير مسبوق.

نضال


في أيامنا هاته حيث نشطت حركة شن الاضرابات بوطننا الحبيب،خاصة حيث أقيم، أضحت لفظة « المناضل » كلمة متداولة أكثر من روجان السلع الأبخس ثمنا، متداولة على أوسع نطاق ، حتى أنها باتت تطلق على المناضل « المزيف » قبل « الحقيقي »، و في مقابل ذيوع هذه اللفظة انتشرت ألفاظ معاكسة ك: « الخائن »، »عميل الإدارة »، « بائع الذمة »، « المنافق »، و « النمام » و ألفاظ أخرى أكثر قدحا و تجريحا، و ذلك في حق من قرروا العمل عوض خوض الإضراب.

و في ضوء هذا المعطى ، أجد أن مثل هذا السلوك لا ينم إلا عن نزق و عدم نضج فكري ، فكما أن حق الإضراب مكفول دستورا، لا يمكن مناقشة و لا انتقاص قيمة الأشخاص المقررين للاشتغال أيام الإضراب، فلكل الحرية في القيام بما يراه صائبا، و ليس من الحكمة في شيء توجيه نيران الاتهامات المجانية لغير المضربين، فلربما ، بل من الأكيد أن من بين صفوفهم مناضلين حقيقيين خبروا الحياة ..فيكفينا قفزا على الحقائق، و لنكن أكثر صونا لمواطنتنا بالعمل على تغذيتها بما من شأنه تمكيننا من الوقوف بين الأمم مجتمعات و أفرادا شامخي الرؤوس، و هو الأمر الذي لن يتأتى إلا بالتأطير السليم من قبل الموكول لهم هذه المهمة.

الحوار ثم الحوار ثم الحوار


في كثير من الأحيان نعيش ببلادنا العربية و عديد من دول العالم الثالث مشاكل و مثبطات كان بالامكان تجاوزها لو احترمنا « حرية الاختلاف »، و حكمنا  فقط منطق احترام هذا الاختلاف باللجوء إلى جلسات حوار و تناقش بعيدا عن طريقة بدائية سأكتفي بنعتها بطريقة « لي الدراع « و ينسحب هذاالوضع الذي أتحدث عنه على القمة و القاعدة، ذلك أن الكثير من المشاكل التي نعيشها داخل اسرنا مردها السبب المشار إليه، و ذات السبب ينطبق على حكوماتنا و الكثير من إداراتنا من خلال تعاطيها للشؤون التي تديرها ، إذ غالبا ما تدخل في مواجهات تصل حد الصدام أحيانا .

ما يدفعني إلى هذا الاستهلال هو ما عشته شخصيا بالموقع الذي يشكل موردا لرزقي و باقي الزملاءفقد تضخم مشكل بسيط عرفته المؤسسة الى أن تحول إلى ورم يكاد يكون خبيثا بالنظر إلى استشرائه و تأثيراته السلبية على أهم رأسمال لكل إدارة ألا و هو « السمعة » ، نعم لقد تضخم هذا المشكل البسيط بفعل افتقاد لغة الحوار و تفضيل سياسة التنطع خاصة من طرف كان الأولى به ان يعطي كل الأولويات لمسلك التحاور و التخاطب ليس فقط بفعل الغطاء الذي يتلفع به، و الذي يلزم صاحبه باعتماد الحوار و تقديسه قبل بلوغ أنماط تصعيدية أخرى ، و إنما كون هذا الغطاء يتطلب من صاحبه أيضا التمتع بخاصيات صعب توفرها في الشخص العادي و منها : برودة الدم ، الرزانة ، التريث و حسن الإنصات الذي يمثل عاملا حاسما لإنشاء كل حوار بناء و مثمر، فكلنا يعلم أنه من اليسير التهريج بإطلاق شعارات جوفاء، التضليل و إعمال معاول الهدم و تغليب المصالح الشخصية الضيقة على المصالح العامة التي يجب أن تكون هي الديدن الأسمى لمن يقول عن نفسه أنه متطوع خدمة الشرائح المستضعفة.

محصلة القول أننا سنظل نراوح مكاننا في وقت تتقدم فيه أمم إلى الأمام بإيقاع سريع، لا لشيء إلا لأنها تقدس جانب الحوار و الإنصات، و تبعد عن الصغائر و السفائف الأخرى قدر المستطاع ، لأن الايام أثبتت أن تلك المناهج باتت متجاوزة بل وربما قد تم تحنيطها و إدخالها و أستسمح على إطلاق اللفظة ، إدخالها « مزابل التاريخ  » فالأحرى بنا اليوم أن نتأمل واقعنا و نلتف جميعا لمواجهة ما هو مطروح من استحقاقات أمامنا حتى ننجح في كسب رهاناتها كما فعل السلف الصالح الذي آمن ب » و حاورهم بالتي هي أحسن » ، و  « أمرهم شورى بينهم  »  و نبذ بكل ما أوتي من قوة كل النرجسيات التي تقول : أنا و من بعدي الطوفان.  .

جحود


أنجبت بلادنا العديد من رجال الفكر و القلم، و تحديدا الصحفيين، و اذكر أنه ما زال يعيش بين ظهرانينا رجال خبروا دروب الصحافةو مارسوها في ظروف أقل ما يمكن أن نقول عنها أنها  صعبة  و شاقة جدا جدا، ظروف انعدمت فيها الإمكانيات المادية  و أدوات العمل اللازمة لإصدار صحيفة أو إنجاز برنامج تلفزيوني أو إذاعي، أضف إلى ذلك غياب كل أشكال التحفيز من أجل الإبداع و التألق، و كما استهلوا مساراتهم المهنية معتمدين على التضحية و الإيثار، توقف الكثير منهم عن الكتابة في صمت مطبق. ليغادروا ردهات و عوالم « صاحبة الجلالة »، دون أن يحضوا بكلمة تقدير على مساعيهم في رص اللبنات الأولى لمهنة المتاعب .

و إحقاقا للحق، أرى في هذا الوضع شذوذا ما بعده شذوذ، ذلك أنه في الكثير من القطاعات يتم تكريم السلف الصالح و في ذلك ربط لصفحات الماضي بالحاضر، و في هذا الصدد، أقترح أن تبادر بعض المؤسسات الإعلاميةإلى تنظيم أيام  تذكير و تكريم لبعض رجالاتها حتى تتم إعادة الإعتبار لهم، و إذ أتقدم بهذا الاقتراح ، أجزم أن تنظيم مثل هذه اللقاءات لن يكلف هذه المؤسسات الشيء الكثير

عن أية « ديونتولوجيا » يتحدثون ؟!


استرعى انتباهي و أنا أطالع الصحف الوطنية اليومية، أن أغلبها يمتح من مقالات و أخبار تنشر الكترونيا عبر « النت »، غير أن ما أثارني هو إحجام  جل هذه الصحف عن الإشارة الى مصادر الخبر، و تبني المنشور من المواد و كأنه من انتاج أطقم تحريرها،.
أعتقد أن هذا التقليد الذي دأبت عليه صحفنا الوطنية على اختلاف مشاربها، يبقى بعيدا كل البعد عن أخلاقيات المهنة، و يضرب في الصميم مبدأ الأمانة، و صيانة حقوق التأليف و الإبداع، كما أني أرىأن الصحفي الذي يحل على نفسه ما ليس له ما هو إلا « سارق أفكار »، و انسان اتكالي غابن لجهود الآخرين و ظالم لمهنة جعلتها رسالتها المقدسة المتمحورة حول : الإخبار، التحسيس و التأطير و التقويم، واحدة من أنبل المهن.
و شخصيا  لا  و لن أستوعب كيف لسارق أفكار، أن يكون أمينا و نزيها في إحاطة الرأي العام بما يجب الإحاطة به، و كيف له أن يوجه و يؤطر أجيال المستقبل نحو السبل القويمة.
أعتقد أنه آن الأوان للنظر في هذه القضية بشكل جدي و معمق بعيدا عن التناول السطحي، و برأيي فلتكون صحفيا يجب عليك أن تكون مستقيما أخلاقيا، متمكنا من اللغة التي تكتب بها، و محترما لذاتك قبل أن تكون محترما لأخلاقيات المهنة التي اصطفيت

 » أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار « 


 

أفتى رئيس قسم الحديث في جامعة الأزهرمؤخرا، بجواز و إباحة المرأة « إرضاع الكبير » غايته في ذلك تحصين المجتمع، و مكاتب العمل، من شوائب الإنزلاقات اللاأخلاقية، على اعتبار أن إرضاع المرأة لزميلها في العمل من شأنه أن ينزل هذا الأخير منزلة المحرم.

شخصيا،أذهلتني فتوى الشيخ عزت عطية، المنتمي إلى صرح جامعي اسلامي ذي مكانةخاصة بقلوبنا نحن العرب المسلمين، فقد كشفت الحدود الضيقة لانشغالات بعض المهتمين بالحقل الديني، ذلك أن هذه الفتوى صدرت و الأمة العربية الإسلامية تعيش أوضاعا صعبة تجعلها أكثر من أي وقت مضى في حاجة الى مرشدين أفداد، لتوجيه أجيالنا الحالية نحو مرافئ الأمان ، ثم استعادة بريق و توهج تاريخنا العربي الإسلامي المجيد المستنير، و هو بالطبع ما لن يتأتى إلا بالإبتعاد عن سفاسف و صغائر الأمور، و شحذ الهمم لمواكبة ركب التقدم و التطور،حتى لا نكرس وضع العيش على الهامش.

أتمنى أخيرا، ان تكون هذه الفتوى، آخر البدع ، و أن تكون المنبه الحقيقي لنا كعرب، لتجاوز كل هذه السطحيات، و النظر بكل ما يتطلبه الوضع من جدية الى المستقبل و عدم إهدار المزيد من الوقت في شؤون أكيد أنها لا تسر و لا تسعد إلا أعداء ديننا السمح الحنيف، دين التسامح و التعايش و الرحمة.