لهذه الأسباب عشقت السينما


عند عودتي إلى مقر سكناي بعد يوم عمل متعب، أثارت دواخلي ملاحظة لسائق سيارة أجرة  صغيرة يقاربني سنا،    و نحن نمر قرب سينما « النصر » الواقعة بحي السلام في مدينة سلا،و التي تعطلت منذ زمان، حيث طالها الإهمال وأضحت مجرد بناية نشاز وسط دور الحي، و مقاهيه كما هو شأن العديد من دور السينما الأخرى بوطننا الحبيب.

أثارتني ملاحظته، خاصة و أنه أرفقها بآهة تحسر، أحسستها بنفس عمق « الندة » التي صدرت بها عنه،  فشخصيا لا أكذب أني أحمل لكافة دور السينما حبا عميقا و حنينا جارفا، فأنا عاشق كبير لها، تعلمت  بواسطتها من خلال الانخراط بنوادي سينمائية كانت منتشرة يومذاك أبجديات فنون و تقنيات النقد السينمائي ، كما ساهمت في صقل تخصصي من حيث التكوين البيداغوجي (السمعي- بصري).

و « السينما » إلى جانب « دار الشباب » فضاءات عززت في ملكة التواصل مع الآخر،سمحت لي بالتغلب على الخجل  و التهيب الذي كان يسكنني عندما أحادث سواء مكونات محيطي أو الغرباء عني، و إلى جانب  كل هذه المزايا كنت أجد في السينما ملاذا يحضن تسكعاتي الليلية اللامنتهية زمان الصبا و الشباب، إضافة إلى كونها وفرت لي غير ما مرة مكانا محميا أختلس فيها و أنعم بسويعات سعادة و صفاء مع مؤنستي و رفيقة دربي وقتها، و طبعا كان ذلك قاسم « جماعتنا » الصغيرة أيام الدراسة و بعدها بقليل، حيث غالبا ما كنا نخصص نهايات الأسبوع للاستمتاع بشراء سويعات ظلام بقاعات سينمائية متفرقة بالمدينة .

لكل هذه الأسباب و الحيثيات مجتمعة، أجد أن إهمال دور السينما بالبلد هو إجحاف بكل ما للكلمة من دلالات ، هو قتل ممنهج للتكوين خارج أسوار المدرسة، و هو أجل تعبير عن تقاعس القائمين على الشؤون الثقافية عن أداء واجباتهم و رسالتهم النبيلة، و أجد أيضا أن هذا الإهمال خطوة أخرى نحو خنق كل المتنفسات التي نبغيها للترويح  و الترفيه عن النفس، و إزالة « غمة » رتابة الحياة و متطلباتها القاسية .

قد يقول قائل إن زمان السينما قد ولى ، و أرد بالتأكيد على أنه واهم، ذلك أن بروز مختلف هذه الوسائط السمعية البصرية التي تعج بها السوق حاليا، لا و لم و لن تلغي دور السينما، كل هذه الوسائط لا تحل محل السينما، ذلك أن الفرجة على فيلم سينمائي  بقرص مدمج ، تبقى فرجة ينقصها الكثير، ربما قد أفصل في الأمر في ورقة قادمة، و أعتقد جازما أن الثورة التي يشهدها عالمنا من حيث تكنولوجيا الصورة و الإعلام ، و كل زخم هذه الوسائط  ما جاء إلا ليكمل الدور النبيل للفن السابع، فرجاء أعيدوا للسينما بهاءها .

عن الزلزال العربي أتحدث


ساءلني الكثير من الأصدقاء عن سر توقفي عن الكتابة بمدونتي « عبق الياسمين » لمدة من الزمن، رغم أننا عشنا الكثير من الأحداث التي ما كنت لأدعها تمر دون أن أدلي بشأنها بما يعن لي من ملاحظات و تعقيبات، و الحق يقال أن ابتعادي عن الكتابة يعود بالأساس  لأسباب ذاتية سأكشف عنها في قادم  الأيام بإذن المولى عز و جل.

و أنا أعاود التواصل من خلال هذا المنبر، أجدني منساقا إلى إبداء رأيي حول ما شهده و يشهده عالمنا العربي من تغييرات، من خلال التحرك المجتمعي غير المسبوق لشباب هذه الأمة، و هو التحرك الذي أدى إلى سقوط نظامي زين العابدين بن علي بتونس ، و محمد حسني مبارك بمصر، و هو ذات التحرك التي ما تزال تكتوي بنيران رجاته و هزاته  بدرجات متفاوتة أنظمة ليبيا، اليمن و البحرين

و برأيي الشخصي المتواضع، فإن ما آلت إليه أوضاع وطننا العربي يندرج في سياق الحتمية التاريخية للأمور، و يدخل في باب « الضغط يولد الانفجار » ، و أرى من الطبيعي أن تنطلق الشرارة الأولى للزلزال العربي من منطقة شمال إفريقيا، ذلك أن شعوب هذه المنطقة أكثر تأثرا و ارتباطا بضفة شمال المتوسط ، و أنه كثيرا ما تطلعت لأن تقارب مستوى خصوصا الجيران  أهل الجنوب الأوروبي ، ثم إنها أخف الشعوب العربية ارتباطا بلهفة الماضي، فهي شعوب كثيرا ما تاقت إلى التقدم و استجلاء المستقبل الأكثر إشراقا ، و هي الشعوب التي لا تكتفي عادة بالتغني بأمجاد الماضي ، و عطاءات الأجداد الحضارية ، هي شعوب تتمتع نسبيا بحضور حتى و لو كان باهتا للهفة المستقبل.

و فيما يخص الوطن الحبيب، أجد أننا في منأى أن نعيش نفس الوضع الذي عاشته مصر و تونس و ليبيا ، كما هو مرشح أن تعيشه دول عربية أخرى ، ذلك أن بلدنا و تحت قيادة ملكنا الشاب، نجحت رغم إكراهات الظرفية العالمية أقصد الأزمة الاقتصادية العالمية في أن تفتح أوراشا تنموية عديدة على عدة مستويات، ثم أرى أنها كانت سباقة  لطرق باب الديمقراطية، و حتى إن لم ننجح في تكريس أمثل لها لتداخل العديد من المعطيات، و المملكة بذلك قطعت أشواطا ما زالت العديد من البلاد العربية تهاب الخوض فيها.

و ما الخطاب المولوي السامي ل09 مارس 2011 إلا تأكيدا على سلامة المسار ، فقد قدم ملك البلاد خارطة طريق واضحة جلية من شأن تبنيها،  و إيجاد ظروف إنجاحها أن يمكننا من تحقيق الطفرة المأمولة، ولعمري فإن  تهيئة هذه الظروف لن تتأت إلا من خلال الانخراط الواسع لكافة شرائح المجتمع المغربي ، مع تشبع تام بروح المواطنة،  في هذا الورش المتوخي للإصلاح ،  إلا من خلال تحمل المسؤولية من طرف سائر الأحزاب المغربية، و إعادة النظر في استراتيجياتها- إن وجدت- ، و العمل على التأطير الفعلي لشبابنا المتقد حماسا ، و الحرص على تجديد نخبها و هياكلها بما يسمح بكسب التحدي .

هي خلاصات أردت إبداءها بعجالة على أمل العودة لها مفصلا، و أعيد التأكيد على أن الوطن راهنا هو في أمس الحاجة لالتفاف كل طاقاته  و نخبه من أجل تحقيق ما نبتغيه، فلننبذ الصراعات الجانبية ، و لنتحد من أجل صنع مغرب الغد.