همسة قلم


يومان و تنقضي ثلاث سنوات على انطفاء جدوة القبس،على افتقاد قنديل الحياة و على جفاف المورد النضاح ،يومان و تنقضي ثلاث سنوات على افتقاد أميرة المعشوقات ، أمي ، يومان و تنصرم ثلاث سنوات على غياب أجمل إطلالات الكون و على  الصدر الأرحب،  على افتقاد صاحبة أجمل ضمة ،و أرق لمسة، أمي

و في موعد و ذكرى  وداعك فراقك لنا ،حيث ترقدين رقدتك الأبدية ،أتضرع إلى العلي القدير أن يسكنك فسيح الجنان ،و يمطرك بشآبيب الرحمة و المغفرة آمين ،

في يوم ذكرى فراقك و القلب منفطر،أقول أن اهنإي فقد أديت رسالتك كأفضل ما تكون التأدية،أديت الواجب على أمثل وجه ، فطوبى لك وألف رحمة

و في ذكرى فراقك ثقي و أنت في السماوات العلى ، أني سأظل أحن إلى خبزك ،أمي ،إلى حنانك دفئك وبسمتك و غضبتك، سأظل أحن إليك
أمي

من خلال متابعتي اليومية لما تجود به ثمار المطابع من صحف ، وتتبعي للعديد من القنوات الفضائية العربية ،أسجل بكل امتعاض انطلاقا من غيرتي على واحدة من مكونات هويتنا المستوى المتدني الذي بلغته لغتنا العربية ، فيوما بعد آخر،سيما و أنت تطالع الصحف  تواجه الكثير من الاخطاء اللغوية  التي كنا نخجل أن يرتكبها صغيرنا ، و حتى لما  تقرر تتبع بعض البرامج التلفزية أو الاذاعية تجد نفسك أمام سيل جارف من الهفوات اللغوية ، و أمام ملحنين مع سبق الإصرار و الترصد.

و في ضوء هذا المعطى، أعتقد أنه بات لزاما على القائمين على شأن الاعلام بمعظم الدول العربية العمل على رسم استراتيجيات تعيد للغة ألقها و وهجها المفتقد، و ذلك بداية بالزام  هذه المنابر الاعلامية على احترام لغة الضاد، و الكف على اعتبارها مجرد لسان تواصل، فهي بالإضافة إلى ذلك تجسدعنوانا و رمزا لحضارة السلف، و قبل هذا فهي لغة الكتاب المقدس القرآن الكريم.

أخيرا  رفقا بلغتنا الجميلة ، و لا تنسوا أنها هي التي قال في حقها  الشاعر:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

بعد أيام قليلة سينقضي شهر رمضان الفضيل، و إحقاقا للحق، كم تمنيت لو أنا عشنا شهر رمضان طيلة السنة،  و يرجع تمني الصادق إلى ما ألمسه من تحولات بالمجتمع خلال هذا الشهر المبارك، حيث يكثر التراحم بين أفراد المجتمع، و تقل نسبة بعض الممارسات المشينة التي نشهدها بشوارعنا كل يوم، كما يزداد الإقبال على بيوت الله.

و شخصيا ، أحس بذاتي أكثر نقاء و طهرا و صفاء خلال هذا الشهر، ففيه انجح في التقليل  الى حد بعيد من لفافات التبغ التي أستهلكها  إبان فترات الإفطار ، و فيه يتغلب الجانب الروحي من شخصي على الجانب المادي،  و في هذا الشهر ينتظم أكلي و شربي، و تنفتح شهيتي للاستطعام و التلذذ بمختلف الأطباق.

أحس في شهر رمضان، و كأننا نمارس يوغا راقية تسمو فيها أرواحنا على صغائر الأمور الدنيوية.

ختما أعاد الله علينا هذا الشهر المبارك الميمون، و نحن و سائر المسلمين في صحة و عافية.

مكنتني الزيارة الخاطفة  التي قمت بها  اليوم لمدينة الزهور “المحمدية” من العودة إلى زمان جميل ولى، حيث استعدت شريط ذكرياتي مع المدينة الصغيرة الوديعة، و التي كانت تفتح لي ذراعيها كلما ضقت من رتابة وتيرة العيش بعاصمة المملكة،  كلما أردت الترويح عن النفس من تعب و إكراهات العمل.

و خلال زيارتي الاخيرة  لهذه المدينة أحسست ببعض الارتياح، رغم أني كنت قررت عدم زيارتها  بشكل نهائي، وعلة ارتياحي تعزى إلى أني تلمست أوجه جهود حقيقية ترمي إلى إعادة رونق و بهاء  المدينة ، من خلال العودة إلى الاهتمام بالفضاءات الخضراء ل”فضالة “ أو إن شئت “فضل الله”،  و من خلال إثمار تفويض مرفق تدبير النظافة لشركة أجنبية إيجابا، كما هو حال مجموعة من مدن وطننا الحبيب، إضافة إلى الحرص على مراعاة تنامي الوحدات السكنية و البنايات للمعايير و المواصفات الجاري بها العمل قانونا.

و بعيدا  عن هذا التطور الذي لمسته، و أنا جالس أرتشف قهوتي بأحد المقاهي الشاطئية للمدينة، عشت على إيقاع “نوستالجيا”  شخصية جدا، استعرضت من خلالها شريطا غاليا  لأيام شباب و شقاوة مضت …حيث عادت بي ذاكرتي إلى ما يربو عن العقدين من الزمن ، فلتدومي يا محمدية بهية كما عهدناك ، و لتظلي كما كنت مدينة زهور و تلاقي العشاق .

سيدتي، جلت زيارتك لي في منامي، وشم ذكريات الأيام الخوالي، فكان ان حتى و قد افترقنا، انك مواسيتي في ضائقتي، فقد غمرتني  لطفا و عطفا ، و كففت دمعي، بعد أن ضممتني، و نبست شفتيك بشهد كلمات السند.

اتدركين، سيدتي، ان زيارتك الليلية كانت بلسما لكل جراحي، و جعلتني أتطلع كما عهدتني بتفاؤل لمستقبل ايامي.

أنا لا أعلم بأي مرفا رسا مركبك، فمنذ افترقنا تشعبت بنا سبل العيش، منذ افترقنا وفينا وعد و عهد عدم النبش في ذكريات مشترك الايام.

سيدتي، و لانك تعرفين أني عاشق – في زمان المعاناة – ،لمداعبة القلم و التلاعب بالكلمات فوق بياض الصفحات، اردت الا اترك مناسبة زيارتك الليلية تمر مرور الكرام، حتى أكون في مستوى ما بادرت له و قمت به، و لو كان في دنيا الافتراض و عالم الاحلام.

عذرا ، فظهور طيفك متشحا في تلك الثياب البيضاء، بشعرك الكستنائي المتموج المنسدل على كتفيك، أحيى بدواخلي سيل ذكرياتي و إياك.

فافتراك تذكرين يوم اللقى، و تذكرين يوم الفراق

افتراك تذكرين قراراتنا الحمقى

افتراك تذكرين دقة مواعيدنا

و أماكن تلاقينا

افتراك تذكرين احلامنا الصغيرة

و اقتسامنا أدق التفاصيل

افتراك تذكرين يوم كنا روحين في جسد

افتراك تذكرين يوم مكنا وحده القدر

من سلطة الختم

افتراك تذكرين يوم تناجى قلبانا

رغم تعطل لغة الكلام

افتراك تذكرين و تتذكرين.