مهنيات


تنتشر بالمدينة حيث أقيم وربما بشكل أكبر من باقي مدن المملكة ظاهرة غريبة تتمثل في “إقراض الصحف لمرتادي المقاهي” و”نسخ شبكات الكلمات المتقاطعة و المسهمة و السودوكو” ، و باعتقادي أن هذه الظاهرة و إن كانت تحمل في طياتها بعض السمات الإيجابية كتشجيع القراءة في وطن لم ينجح بعد في القضاء النهائي على “آفة الأمية” ، و في بلد ما زالت فيه القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين  تعاني من اختلالات جمة تحول دون أن تكون في المستوى المطلوب ، قلت إن كانت تحمل بعض السمات الإيجابية فإنها تحمل أيضا الكثير من السلبيات ، ذلك أنها تقف بالملموس في وجه تقوية صحفنا، و تؤثر سلبا على المداخيل المالية لهذه المؤسسات التي تعاني أصلا من شح كبير، و أرى شخصيا في الظاهرة اختلاسا لجهد و عرق ممتهني الصحافة ، الذين يبقون الضحية الأولى لهذه الظاهرة ، و من ثمة وجب التفكير الجاد و الجدي لاتخاذ قرارات فاعلة للحد من مثل هذه الممارسات السلبية، و إنصاف أصحاب القلم بصون حقوقهم و عدم  تعريض منتوجهم “للاتجار الرخيص” ، خاصة و أنا نعلم أن سعر الصحيفة حتى اليوم لا يغطي كلفة  إنتاجها الحقيقية ، علينا أن نبادر إلى دعم هذه المؤسسات الصحفية باقتناء منتوجاتها من الأكشاك حتى نسهم في تطويرها بتمكينها من موارد مالية مستحقة لها، و ألا نكتفي بتوجيه انتقاداتنا المجانية لها و الإغراق في مقارنة عطاءاتها بعطاءات صحف عربية و دولية حيث لا تستقيم مقارنات.

و  أعتقد أنه على شركات التوزيع المبادرة إلى أجرأة بعض القرارات ، و عدم الاكتفاء بتوزيع الصحف فقط و إنما أيضا إحداث فرق للمراقبة لنسميها “شرطة الصحافة ” من أجل تتبع أمثل لتداول هذه المنتوجات الورقية فحسبها منافسة الراديو ، التلفزيون و الانترنت .”

لم يعد بمقدور أغلب متتبعي الاعلام الوطني في شقيه المكتوب و السمعي – بصري، إلا أن يشفقوا عن حال مجموعة كبيرة من صحافيي اليوم، ذلك أن بعض حملة الأقلام حولوا صفحات بعض الجرائد إلى “حمامات شعبية نسائية تقليدية”، حيث النميمة المجانية، فهذا فلان يستغل حيزا هاما من صحيفة وطنية يومية ليصفي حساباته و الشخصية غالبا مع علان، و ذلك بنعته بأقدح الأوصاف التي أستحيي من ذكرها، و هذه صحيفة ارتكزت على  مقولة شعبية تجارية بها الكثير من التغليط: ” الجمهور عاوز كده”، لتمطرنا بوابل من ترهات الحوادث المختلقة و المفبركة في كثير من الأحايين، و البعيدة عن مقاصد “صحافة الحوادث ” المهنية، و التي كانت تجعل من

les trois S : Sang, Sous, Sex أثافيها الثلاث.

و هذه قناة تلفزية وجدت في الاستنساخ الممسوخ لبرنامج “ستار اكاديمي ” ، و التكرار الممجوج لبرامج طبخ “شوميسة”ضالتها، و هذه شقيقتها الكبرى قطعت على نفسها أن تكسر الرقم القياسي ل”نومة أهل الكهف”،لتدخل كتاب “غينيس” للأرقام القياسية،  ناهيك عن الكثير من المحطات الإذاعية الخاصة التي جعلت من ترويج الموسيقى الهابطة و اللسان “السوقي الدارج” غايتها النبيلة، منطقها في ذلك نهج سياسة القرب.

أجزم ان صحافتنا اخلفت موعد مواكبة العهد الجديد الذي نحياه، و أنها في ضوء وجود امكانيات ما كانت متوفرة للسلف عمقت جراح مهنة المتاعب و أثخنتها بالابتعاد عن غاياتها النبيلة المتمحورة حول : الإخبار، التثقيف، و الترفيه، و نسيت أنها موجه و مؤطر لشريحة واسعة من المواطنين، خصوصا أجيال المستقبل، ألم يوصف الصحافي في يوم من الايام أنه : ” مدرس( بكسر الراء) في مدرسة بدون أسوار”

:

تميز مسار الاعلام ببلادنا، خصوصا،أواسط العقد الثمانيني و بداية العقد التسعيني من القرن الماضي ببروز شعبة فرضها واقع الحال من جهة ، و ضرورة تيسير الوصول الى مصادر الخبر، من جهة أخرى

هي شعبة الاعلام المؤسساتي، أو شعبة الاتصال.و لم تكن ولادة هذه الشعبة بالهينة،ذلك أنها جاءت بعد العديد من المشاورات و النقاشات، و فتحت الباب لجدل استمر طويلا، سواء عند المهنيين، أو الادارات و المقاولات، حول ماهيتها ، ضرورة احداثها، و لمن أهلية القيام بها، و الاشراف عليها، و بعد الاحداث و النشأة و تكليف اعلاميين تحت مسمى ملحقين صحفيين ،بأمر الخوض في هذا الشق بالعديد من الادارات، الوزارات، و المؤسسات العمومية و شبه العمومية، طفت على السطح مشاكل من نوع آخر تمحورت حول تحديد انتماء المكلفين بهذه المهمة هل هو للجسم الصحفي المتعارف عليه، أو للجسم الاداري الذي يعمل به الملحق الصحفي، و سارع الكثير من الصحفيين الى الوقوف في وجه اعتبار الملحق صحفيا مهنيا، بداعي أنه غالبا ما يؤدي وظائف ادارية بالجهة التي يشتغل بها أكثر من تأديته لواجبه الصحفي، اضافة الى أنه يتلقى أجره من الجهة الموظفة له و بالتالي فتبعيته المطلقة حتما تبقى لادارته،و في الجهة المقابلة ،و أقصد الادارات المشغلة للملاحقة الصحفيين،تم تسجيل بعض الريبة في تقبل هذا الوافد الجديد، و الذي غالبا ما يجد نفسه مضطرا الى بذل كثير من الجهد من أجل التأقلم

و كسب الثقة ثم فرض ذاته كابن لتلك الادارة، اذ غالبا ما ينظر اليه كونه ذاك الصحفي المشاغب، أو الجاسوس،و الذي يجب الاحتراس منه.و بين هذا الموقف وذاك يجد هذا المهني نفسه تائها ، راكضا وراء التوفيق بين هويته الصحفية و الادارية،بين اثبات كونه الوسيط الحر ذي المصدلقيةالكفيل بتسهيل عملية الوصول الى الخبر، ونفي ما يلصق به من طرف أبناء حرفته و الذي يعتبره مجرد لسان ناطق باسم الجهة المشغلة له فقط .أخيرا ، و في ضوء المستجدات ،التي أنصفت بعض الشيء الملحق الصحفي من خلال اعتراف العديد من الكيانات الادارية بأهمية نهج سياسة القرب و الانفتاح على المحيط الخارجي، لا يمكن الا أن نتفاءل بمسيرة هذا الرجل الذي لن أتوانى عن وصفه برجل الظل الساعي الى استعادة مكانته تحت بريق الأضواء، و تأكيد أهليته لحمل الهوية المزدوجة دون التباس و لا مزايدات، و لعل ذلك ليس بغريب، على ممارسي هذا الصنف من الاعلام. و أعتقد جازما أنه سنصل يوما الى نفس موقف الغرب اليوم من هذه الشريحة من المهنيين الاعلاميين.